العيني

13

عمدة القاري

: ( يقول ) ، جملة في محل النصب على الحال . قوله : ( فيحسن ) من الإحسان ، ومعنى : إحسان الوضوء الإتيان به تاماً بصفته وآدابه وتكميل سننه ، وهو بالرفع عطف على قوله : ( لا يتوضأ ) وكلمة : الفاء ، ههنا بمعنى : ثم ، لأن إحسان الوضوء ليس متأخراً عن الوضوء حتى يعطف عليه بالفاء التعقيبية ، وإنما موقعها موقع ثم ، التي لبيان المرتبة ، وشرفها دلالة على أن الإحسان في الوضوء والإجادة من محافظة السنن ومراعاة الأداب ، أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقاً ، ولا شك أن الوضوء المحسن فيه أعلى رتبة من الغير المحسن فيه . قوله : ( ويصلي الصلاة المكتوبة ) وفي رواية لمسلم : ( فيصلي هذه الصلوات الخمس ) . قوله : ( إلاَّ غفر له ) التقدير : لا يتوضأ رجل إلاَّ رجل غفر له ، فالمستثنى محذوف لأن الفعل لا يقع مستثنى ، أو التقدير : لا يتوضأ رجل في حال إلاَّ في حال المغفرة ، فيكون الاستثناء من أعم عام الأحوال . قوله : ( وبين الصلاة ) أي : التي يليها ، كما صرح به مسلم في رواية هشام بن عروة قوله : ( حتى يصليها ) ، معناه : حتى يفرغ منها . وقال بعضهم : أي يشرع في الصلاة الثانية . قلت : هذا معنى فاسد ، لأن قوله : ( ما بينه وبين الصلاة ) يحتمل أن يراد به بين الشروع في الصلاة وبين الفراغ عنها ولما كان المراد الفراغ عنها أشار إليه بقوله ( وحتى يصليها ) ولهذا لم يكتف بقوله ( بين الصلاة ) لأنه لا يغني عن ذكر حتى يصليها ، لما ذكرنا . فإن قلت : لفظة : حتى ، غاية لماذا ؟ قلت : لحصل المقدر العامل في الظرف إذ الغفران لا غاية له . قوله : ( قال عروة الآية ) أراد أن الآية في سورة البقرة إلى قوله : * ( اللاعنون ) * ( البقرة : 159 ) كما صرح به مسلم ، وقد روى عن مالك هذا الحديث في ( الموطأ ) عن هشام بن عروة ، ولم يقع في روايته تعيين الآية ، فقال من قبل نفسه أراه يريد * ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ) * ( هود : 114 ) . بيان استنباط الاحكام الأول : فيه أن الفرض على العالم تبليغ ما عنده من العلم ، لأن الله تعالى قد توعد الذين يكتمون ما أنزل الله باللعنة ، والآية ، وإن كانت نزلت في أهل الكتاب ، ولكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، فدخل فيها كل من علم علماً تعبد الله العباد بمعرفته لزمه من عدم تبليغه ما لزم أهل الكتاب منه . الثاني : فيه أن الإخلاص لله تعالى في العبادة وترك الشغل بأسباب الدنيا يوجب من الله عليه الغفران ويتقبلها من عبده . الثالث : فيه أن ظاهر الحديث على أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلاَّ بالوصف المذكور وإحسانه والصلاة في ( الصحيح ) من حديث أبي هريرة : ( إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه ) ، ففيه أن الخطايا تخرج من أول الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقياً من الذنوب ، وليس فيه ذكر الصلاة ، فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها ، لكن يبعده أن في رواية لمسلم من حديث عثمان : ( وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة ) ، ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص ، فشخص يحصل له ذلك عند الوضوء ، وآخر عند تمام الصلاة . الرابع : أن المراد بهذا وأمثاله غفران الصغائر ، كما مر فيما مضى وجاء في ( صحيح ) مسلم : ( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخضوعها وخشوعها وركوعها ، إلاَّ كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة ) . وفي الحديث الآخر ( والصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذ اجتنبت الكبائر ) لا يقال إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة ، وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات ورمضان ؟ وكذا صيام عرفة يكفر سنتين ، ويوم عاشوراء كفارة سنة ، وإذا وافق تأمينة تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ، لأن المراد : أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير ، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره ، وإن لم يصادف صغيرة كتبت له حسنات ورفعت له درجات ، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجى أن يخفف منها . وقال النووي : رجونا أن يخفف من الكبائر . والله تعالى أعلم . 25 ( ( بابُ الاسْتِنْثَارِ في الوُضُوءِ ) ) أي : هذا باب في بيان الاستنثار في الوضوء ، والاستنثار استفعال من النثر ، بالنون والثاء المثلثة ، والمراد به الاستنشاق ، وقد بسطنا الكلام فيه في الباب الذي قبله . ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في هذا الباب بعض المذكور في الباب الأول . ذكَرَهُ عثْمانُ وعَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ وابنُ عَباس رضي اللَّهُ عَنْهُمْ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أي : ذكر الاستنثار في الوضوء عثمان بن عفان وعبد الله بن زيد بن عاصم وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم ، والمعنى أن هؤلاء رووا الاستنثار في الوضوء . أما الذي رواه عثمان رضي الله تعالى عنه فقد أخرجه موصولاً في الباب الذي